وهبة الزحيلي

291

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ونظير الآية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [ عبس 80 / 38 - 39 ] . وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً أي وكافأهم بسبب صبرهم على التكاليف جنة يدخلونها وحريرا يلبسونه ، أي أعطاهم منزلا رحبا ، وعيشا رغدا ، ولباسا حسنا ، كما قال تعالى : وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ [ الحج 22 / 23 ] . والتعبير بقوله : فَوَقاهُمُ و لَقَّاهُمْ بصيغة الماضي ، لتأكيد تحقق الوعد . فقه الحياة أو الأحكام : يستنبط من الآيات ما يأتي : 1 - إن انقسام الناس باختيارهم إلى فريقين : شاكر وكافر ، اقتضى تنوع الجزاء بعد التكليف والتمكين من المأمورات ، فمن كفر فله العقاب من السلاسل في الأرجل ، والأغلال في الأيدي ، والنار المستعرة التي تحرق الجسد ؛ ومن وحّد وشكر ، فله الثواب الجزيل والجنة بما فيها من ألوان النعيم . والآية دليل على أن الجحيم بسلاسلها وأغلالها مخلوقة ؛ لأن قوله تعالى : أَعْتَدْنا إخبار عن الماضي . ويلاحظ أن الاختصار في ذكر العقاب ، مع الإطناب في شرح الثواب ، يدل على أن جانب الرحمة أغلب وأقوى « 1 » . 2 - وصف اللّه تعالى نعيم أهل الجنة بما يبهر ، فذكر أن الأبرار : أهل التوحيد والصدق يشربون في الجنة الخمر غير المسكرة ، الممزوجة بالكافور ، المختومة بالمسك ، المختلطة بعين ماء عذبة في الجنة ، يشربون منها ، وتكون تحت تصرفهم وأمرهم يجرونها كما يشاءون ، ويشقّقونها شقّا ، كما يفجر النهر في الدنيا .

--> ( 1 ) تفسير الرازي : 30 / 256 وما بعدها .